عمر فروخ

841

تاريخ الأدب العربي

سلوك الأدب وأوضح لنا بديعه وغريبه . . . . وبعد ، فهذه البديعيّة التي نسجتها بمدحه صلّى اللّه عليه وسلم على منوال طرز البردة « 1 » كان مولانا المقر الأشرف العالي المولوي القاضوي المخدومي الناصري سيّدي محمد بن البارزيّ الجهني الشافعي صاحب ديوان الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية - جمّل اللّه الوجود بوجوده - هو الذي ثقّف لي هذه الصعدة « 2 » وحلب لي ضرعها الحافل لحصول هذه الزبدة « 3 » وما ذاك إلا أنه وقف بدمشق المحروسة على قصيدة بديعية للشيخ عزّ الدين الموصلي « 4 » ، رحمه اللّه تعالى ، التزم فيها بتسميته النوع البديعي « 5 » وروى بها من جنس الغزل ليتميّز بذلك عن الشيخ صفي الدين الحلّي « 6 » ، تغمّده اللّه تعالى برحمته ، لأنّه ما التزم في بديعيته * بحمل هذا العبء . غير أن الشيخ عزّ الدين ما أعرب عن بناء بيوت أذن اللّه أن ترفع « 7 » ولا طالت يده لإبهام العقادة « 8 » إلى شيء من إشارات ابن أبي الإصبع « 9 » وربما رضي في الغالب بتسمية النوع ولم يعرب عن المسمى ونثر شمل الألفاظ والمعاني لشدّة ما عقده نظما . . . فاستخار اللّه مولانا الناصريّ المشار إليه ورسم لي بنظم قصيدة أطرّز حلّتها ببديع هذا الالتزام وأجاري الحلّيّ برقة السحر الحلال الذي ينفث في عقد الأقلام « 10 » . فصرت أشيّد البيت فيرسم لي بهدمه - وخراب البيوت في هذا

--> ( 1 ) اشتهرت قصيدة البوصيري باسم البردة ( الثوب السابغ ) ، مع أن اسمها في الأصل البراءة ( راجع ، فوق ، ص 674 ) . ( 2 ) ثقف : قوم ، صحح . الصعدة : القصبة الفارسية تكون عادة معوجة في أماكن فتمرر على النار وتثقف ( تقوم ) . ( 3 ) الحافل : المملوء . الزبدة : الخلاصة من كل شيء . - هو الذي أشار علي بنظم هذه القصيدة وبين لي طريقة العمل . ( 4 ) عزّ الدين الموصلي . . . . ( 5 ) ذكر في قصيدته كل نوع من أنواع البديع ( من غير أن يعرف ذلك النوع أحيانا ولا أن يأتي بمثل عليه ) . ( 6 ) راجع ، فوق ، ص 772 . ( 7 ) ما أعرب ( ما أوضح ، ما بين ) عن أبيات ( من الشعر في قصيدته ) أذن اللّه أن ترفع ( أي جيدة ) . في هذه الجملة تضمين من قوله تعالى : « في بيوت أذن اللّه أن ترفع ويذكر فيها اسمه » ( 24 : 36 ، سورة النور ) . ( 8 ) كذا في الأصل . ( 9 ) ابن أبي الإصبع ، لعله عبد العظيم بن عبد الواحد بن ظافر بن أبي الإصبع العدواني المصري ( ت 654 ه ) من علماء اللغة ( راجع ، فوق ، ص 574 ) . ( 10 ) . . . . ينفث في عقد الأقلام : أجيد في نظمها ( في البيت تضمين من قوله تعالى : « وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ » ( السورة 113 ، سورة الفلق ) : كانت الساحرة تتمنى الخير أو الشر لأحد من الناس ثم تعقد بعد كل أمنية عقدة في خيط وتنفث عليها . فنقل ابن حجة نفث الساحرة في عقد الخيط إلى مجيء الأدب البارع على عقد الأقلام ) .